محمد متولي الشعراوي
1492
تفسير الشعراوى
مجىء رسول جديد أمر يريد اللّه إبلاغه للناس ، ونحن نعلم أن العقائد لا تغيير فيها ؛ وكذلك الأخبار ؛ وكذلك القصص ، ولكن الأحكام هي التي تتغير . فكأن إعلان الحواريين هو إعلان بالإيمان بما جاء سابقا على عيسى ابن مريم من عقائد وبما جاء به عيسى ابن مريم من أحكام وتشريعات . وقولهم : « رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ » كلمة « بِما أَنْزَلْتَ » تدل على منهج منزل من أعلى إلى أدنى ، ونحن حين نأخذ التشريع فنحن نأخذه من أعلى . ولذلك قلنا سابقا : إن اللّه حينما ينادى من آمن به ليتبع مناهج الإيمان يقول : « تعالوا » أي ارتفعوا إلى مستوى التلقي من الإله وخذوا منه المنهج ولا تظلوا في حضيض الأرض ، أي لا تتبعوا أهواء بعضكم وآراء بعضكم أو تشريع بعضكم ، وما دام المؤمن يريد العلو في الإيمان ، فليذهب بسلوكه في الأرض إلى منهج السماء . وقولهم : « رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ » . إن المتبع عادة يقتنع بمن اتبعه أولا ، حتى يكون الاتباع صادرا من قيم النفس لا ، من الإرغام قهرا أو قسرا ، فنحن قد نجد إنسانا يرغم إنسانا آخر على السير معه ، وهنا لا يقال عن المرغم : إنه « اتبع » إنما الذي يتبع ، أي الذي يسير في نفس طريق صاحبه يكون ذلك بمحض إرادته ومحض اختياره . فلو سار شخص في طريق شخص آخر بالقهر أو القسر لكان ذلك الاتباع بالقالب ، لا بالقلب . ولذلك فمن الممكن لمتجبر أن يمسك سوطا ويقهر مستضعفا على السير معه ، وفي ذلك إخضاع لقالب المستضعف ، لكنه لم يخضع قلبه ، فالإكراه يخضع القالب لكنه لا يخضع القلب . لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 3 ) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ ( 4 ) ( سورة الشعراء ) إن الحق يخبر رسوله أن أحدا من العباد . لا يستعصى على خالقه ، وأنه سبحانه القادر على الإحياء والإماتة ، ولو أراد اللّه أن ينزل آية تخضع أعناق كل العباد لفعل ، لكن الحق لا يريد أعناق الناس ، ولكنه يطلب القلوب التي تأتى طواعية وبالاختيار ، وأن يأتي العبد إلى الإيمان وهو قادر ألا يجئ . هذه هي العظمة